بقلم محمود سعيد، مستشار تطوير الأعمال والموارد البشرية. وقت القراءة نحو 9 دقائق.
في ورشة عن التخطيط المهني بالإسكندرية، رفع شاب اسمه يوسف يده في آخر القاعة وقال جملة ما زلت أتذكرها حتى اليوم.
أنا خريج تجارة يا أستاذ محمود، ودخلتها عشان المجموع جابني هنا. مش بحب المحاسبة، ومش عارف أنا بحب إيه أصلًا. أعمل إيه؟
ضحك بعض الحضور، لكن نصف القاعة تقريبًا كان يهز رأسه موافقًا. فيوسف لم يكن يسأل عن نفسه فقط، بل كان يسأل بلسان أغلب من قابلتهم في الورش وجلسات التوعية المجانية التي قدمتها في الإسكندرية والقاهرة وبورسعيد والبحر الأحمر. شباب أذكياء ومجتهدون، لكن أحدًا لم يعلمهم أصول اختيار المسار المهني. قضوا سنوات الدراسة في مواد لم يختاروها، ثم وجدوا أنفسهم أمام سوق عمل لا يعرفون من أين يدخلونه.
وأنا أفهم هذا السؤال جيدًا لأنني عشته بنفسي. درست السياحة، وبدأت حياتي العملية فني صيانة كمبيوتر وشبكات في دمنهور، ثم عملت محاسبًا في محل تجاري، ومساعدًا إداريًا في مكتب صغير بالإسكندرية، قبل أن أكتشف الموارد البشرية وأستقر فيها، ثم أضيف إليها التسويق وتطوير الأعمال. لم يكن الطريق خطًا مستقيمًا، ولم يكن معي من يرسم لي الخريطة. ولهذا أكتب هذا الدليل، حتى تختصر أنت سنوات قضيتها أنا في التجربة والخطأ.
في هذا المقال أشرح لك كيف يتم اختيار المسار المهني بطريقة عملية، بعيدًا عن نصيحة اتبع شغفك التي تسمعها في كل مكان ولا تعرف كيف تطبقها. ستجد خطوات واضحة، وأمثلة من الواقع المصري، وأسئلة تجيب عنها بنفسك قبل أن تقرر.
الخلاصة في خمس نقاط
- اختيار المسار المهني لا يبدأ بسؤال ماذا أحب، بل بسؤال ما المشكلات التي أستمتع بحلها ويدفع السوق مقابل حلها.
- الشغف يأتي غالبًا بعد الإتقان لا قبله، فلا تنتظر أن تشعر به حتى تبدأ.
- التجربة الصغيرة المحسوبة تعلمك عن نفسك أكثر من شهور التفكير، فجرّب قبل أن تقرر.
- مؤهلك الدراسي نقطة بداية وليس حكمًا نهائيًا، وكثير من الناجحين يعملون في غير تخصصهم.
- راجع مسارك كل ستة أشهر، لأن الاختيار المهني قرار يتجدد ولا يُتخذ مرة واحدة.
محتويات المقال
- لماذا يحتار الشباب في اختيار المسار المهني
- خرافة اتبع شغفك وما الذي تتبعه بدلًا منها
- خمس خطوات عملية لاختيار المسار المهني
- هل يجب أن أعمل في مجال دراستي
- أخطاء شائعة في اختيار المسار المهني
- ماذا حدث مع يوسف
لماذا يحتار الشباب في اختيار المسار المهني
قبل أن نتحدث عن الحل، دعني أشرح لك لماذا تشعر بالحيرة أصلًا. فالحيرة ليست دليلًا على أنك بلا موهبة أو بلا هدف، بل نتيجة طبيعية لثلاثة أسباب تتكرر في كل ورشة تقريبًا.
السبب الأول، اخترت دراستك بالمجموع لا بالرغبة
نظام التنسيق يضع أغلب الطلاب في كليات لم يختاروها فعليًا. يدخل الطالب كلية التجارة أو الآداب أو الحقوق لأن مجموعه أوصله إليها، ثم يقضي أربع سنوات يحاول أن يحب ما يدرسه. وحين يتخرج يظن أن عليه أن يعمل في تخصصه بالضرورة، وإلا ضاعت سنوات الدراسة. وهذا افتراض خاطئ سأعود إليه بعد قليل.
السبب الثاني، لا تعرف الوظائف الموجودة أصلًا
اسأل أي طالب عن الوظائف المتاحة لخريجي كليته، وستسمع ثلاث أو أربع إجابات على الأكثر. محاسب، أو مدرس، أو موظف بنك. بينما يعرف سوق العمل اليوم عشرات الوظائف التي لم يسمع بها، مثل أخصائي استقطاب المواهب، ومحلل البيانات، وأخصائي تجربة العملاء، ومدير الحملات الإعلانية، ومنسق المشروعات. وأنت لا تستطيع أن تختار من قائمة لا تراها.
السبب الثالث، ضغط العائلة والمقارنة
ابن خالتك اشتغل في البنك وبيقبض كويس، ما تعمل زيه؟
جملة سمعها أغلبنا بصيغة أو بأخرى. والعائلة هنا لا تقصد الضرر، بل تحاول أن تطمئن عليك بالطريقة التي تعرفها. لكن المقارنة تجعلك تختار طريقًا يناسب غيرك، ثم تكتشف بعد سنوات أنه لا يشبهك.
خرافة اتبع شغفك وما الذي تتبعه بدلًا منها
أكثر نصيحة تسمعها حين تسأل عن مستقبلك هي اتبع شغفك. نصيحة جميلة، لكنها تفترض أنك تعرف شغفك بالفعل، وأن لهذا الشغف سوقًا يدفع مقابله. وأغلب الشباب الذين أقابلهم لا يعرفون شغفهم بعد، وهذا طبيعي تمامًا.
ما تعلمته من تجربتي ومن تجارب من دربتهم أن الشغف نادرًا ما يسبق العمل، بل يأتي غالبًا بعده. لم أكن أعرف أنني أحب الموارد البشرية قبل أن أعمل فيها. كل ما عرفته في البداية أنني أرتاح حين أحل مشكلة بين شخصين، وأستمتع حين أرتب فوضى إدارية وأحولها إلى نظام. ومع الوقت والإتقان صار هذا العمل جزءًا مني.
لذلك أقترح عليك أن تستبدل سؤال ماذا أحب بثلاثة أسئلة أدق.
- ما الأنشطة التي يمر فيها الوقت دون أن أشعر؟ لا أقصد ما تحب مشاهدته، بل ما تحب فعله. ترتيب الأشياء، أو إقناع الناس، أو تحليل الأرقام، أو مساعدة الآخرين، أو صناعة شيء بيديك.
- ما الذي يطلبه مني الناس دائمًا؟ إذا كان أصحابك يلجؤون إليك لكتابة منشور أو إصلاح مشكلة في الكمبيوتر أو تنظيم رحلة، فهذه إشارة إلى مهارة تملكها ولا تراها.
- ما المشكلات التي يدفع السوق مقابل حلها؟ هنا ينتقل الاهتمام من هواية إلى مسار مهني حقيقي.
حين تتقاطع إجابات الأسئلة الثلاثة، تقترب كثيرًا من المسار المناسب لك.
خمس خطوات عملية لاختيار المسار المهني
هذه هي الخطوات التي أطبقها مع الشباب في جلسات الإرشاد المهني، ورتبتها بحيث تستطيع أن تبدأها من اليوم.
الخطوة الأولى، اكتب جرد مهاراتك
أحضر ورقة وقسمها إلى ثلاثة أعمدة. في الأول اكتب المهارات التي تعلمتها في الدراسة، وفي الثاني المهارات التي اكتسبتها من أي عمل أو تدريب أو نشاط طلابي، وفي الثالث المهارات التي يشهد لك بها الآخرون. ستندهش من حجم ما تعرفه.
حين طبقنا هذا التمرين مع يوسف، اكتشف أنه كان المسؤول عن تنظيم كل رحلات دفعته. كان يفاوض شركات الأتوبيسات والفنادق على الأسعار، ويتابع تحصيل الاشتراكات من مئة طالب. هذا الشاب الذي قال إنه لا يعرف ماذا يحب، كان يمارس منذ سنوات مهارات التفاوض والتنظيم وإدارة المال دون أن يسميها.
الخطوة الثانية، استكشف الوظائف التي لا تعرفها
ادخل على LinkedIn ومواقع التوظيف، وابحث عن خريجي كليتك الذين سبقوك بخمس أو عشر سنوات. انظر أين يعملون الآن، وما مسمياتهم الوظيفية، وكيف تدرجوا. ستكتشف أن خريجي التجارة يعملون في التسويق والموارد البشرية والمبيعات وسلاسل الإمداد وخدمة العملاء، وأن خريجي الآداب يعملون في المحتوى والتدريب والعلاقات العامة.
اختر من هذا الاستكشاف ثلاث وظائف تثير فضولك، ولا تزد عليها في البداية.
الخطوة الثالثة، اسأل من يعمل في المجال
هذه أقوى خطوة وأكثرها إهمالًا. ابحث عن شخصين في كل وظيفة من الوظائف الثلاث، وأرسل لكل منهما رسالة قصيرة ومحترمة تطلب فيها عشر دقائق من وقته. وستندهش من عدد من يوافقون.
أستاذ أحمد، أنا خريج تجارة ومهتم أشتغل في الموارد البشرية. ممكن عشر دقايق أسأل حضرتك فيها يومك في الشغل بيبقى عامل إزاي؟
اسأله عن يومه الفعلي، وعن أكثر ما يرهقه في العمل، وعن المهارات التي يحتاجها من يبدأ اليوم. فالوظيفة من الخارج تختلف كثيرًا عن الوظيفة من الداخل، وهذه المحادثة تختصر عليك شهورًا من التخمين.
الخطوة الرابعة، جرّب قبل أن تلتزم
لا تقرر من خلف الشاشة. ابحث عن تجربة صغيرة في كل مجال من المجالات الثلاثة. تدريب صيفي، أو عمل تطوعي في جمعية أهلية، أو مشروع حر صغير، أو مساعدة صاحب محل في إدارة صفحته على فيسبوك. التجربة الصغيرة تجيبك عن السؤال الأهم، هل أتحمل هذا العمل كل يوم؟
وأنا شخصيًا مدين بكثير مما وصلت إليه لهذه التجارب الصغيرة. سنوات صيانة الكمبيوتر علمتني الصبر على المشكلات المعقدة، والمحاسبة علمتني احترام الأرقام، والعمل الإداري علمني أن النظام يوفر الوقت والأعصاب. وحين دخلت الموارد البشرية وجدت أن كل تجربة سابقة أضافت لي شيئًا لم يكن عند غيري.
الخطوة الخامسة، قرر لمدة محددة وراجع
بعد التجارب اختر مسارًا واحدًا والتزم به سنة على الأقل، مع مراجعة كل ستة أشهر. أنت هنا لا تتخذ قرارًا لبقية عمرك، بل قرارًا للمرحلة القادمة فقط. وهذا وحده يخفف كثيرًا من الخوف الذي يمنع الشباب من الاختيار أصلًا.
هل يجب أن أعمل في مجال دراستي
هذا من أكثر الأسئلة التي تصلني بعد الورش، والإجابة المختصرة لا، ليس بالضرورة.
شهادتك الجامعية تفتح لك الباب الأول، وتثبت لصاحب العمل أنك قادر على الالتزام والتعلم. لكن بعد أول سنتين في سوق العمل، يسألك الناس عما تجيده وما أنجزته، لا عن الكلية التي تخرجت فيها. وأنا خريج سياحة أعمل اليوم في تطوير الأعمال والموارد البشرية والتسويق، وأعرف أطباء ومهندسين صاروا رواد أعمال أو مديري منتجات أو مدربين.
لكن انتبه لنقطة مهمة. العمل خارج تخصصك يحتاج إلى أن تعوض الفارق بمهارات حقيقية وشهادات مهنية وتجارب عملية، لا بالرغبة وحدها. وإن كنت تعمل بالفعل وتفكر في الانتقال إلى مجال آخر، فستجد التفاصيل في دليل تغيير المسار المهني دون أن تبدأ من الصفر.
أخطاء شائعة في اختيار المسار المهني
- اختيار الوظيفة بالراتب وحده. الراتب مهم، لكن الوظيفة التي تكرهها ستستنزفك، وستتركها بعد سنة لتبدأ من جديد.
- انتظار الوظيفة المثالية. أول وظيفة نادرًا ما تكون المثالية، لكنها تعطيك خبرة وعلاقات ورؤية أوضح للخطوة التالية.
- جمع الكورسات بدل التجربة. عشر شهادات في مجالات مختلفة لا تعني أنك اخترت، بل تعني أنك تؤجل الاختيار. وقد كتبت عن هذا الفخ في دليل تطوير الذات بخطوات عملية.
- الاستماع إلى كل الآراء. استشر من يعمل في المجال، لا كل من لديه رأي.
- إهمال المهارات الناعمة. مهما كان المسار الذي تختاره، فطريقة تواصلك وتعاملك مع الضغط ستحدد سرعة تقدمك فيه. وشرحت ذلك بالتفصيل في دليل المهارات الناعمة.
ماذا حدث مع يوسف
أعود إلى قصة يوسف لأنها تلخص كل ما سبق. بعد الورشة طبق الخطوات بالترتيب. اكتشف أن مهاراته الحقيقية في التنظيم والتفاوض والتواصل، فاختار ثلاث وظائف للاستكشاف هي المبيعات والموارد البشرية والمشتريات. تحدث مع أشخاص يعملون في الثلاثة، ثم عمل متطوعًا لثلاثة أشهر في تنظيم فعاليات إحدى الجمعيات الأهلية.
وبعد أشهر وصلتني منه رسالة قصيرة.
أنا اتعينت في المشتريات في شركة أغذية. أول مرة أحس إن الشغل شبهي.
لم يحتج يوسف إلى شغف خارق ولا إلى كلية مختلفة. احتاج فقط إلى طريقة منظمة يختار بها، وإلى شجاعة التجربة.
أسئلة شائعة عن اختيار المسار المهني
ما هو المسار المهني؟
المسار المهني هو سلسلة الوظائف والخبرات والمهارات التي تبنيها عبر سنوات عملك في اتجاه هدف محدد. وهو لا يعني وظيفة واحدة، بل طريقًا تتقدم فيه خطوة بعد خطوة وتعدّله كلما تعلمت عن نفسك وعن السوق.
كيف أعرف المجال المناسب لي وأنا لم أعمل من قبل؟
ابدأ بجرد مهاراتك من الدراسة والأنشطة والتجارب الصغيرة، ثم استكشف ثلاث وظائف تثير فضولك، وتحدث مع من يعملون فيها، وجرّبها بتدريب أو عمل تطوعي قصير قبل أن تلتزم بأي منها.
هل التأخر في اختيار المسار المهني مشكلة؟
لا. كثيرون يجدون طريقهم بعد الخامسة والعشرين أو الثلاثين. المهم أن تبدأ التجربة المنظمة الآن بدل أن تنتظر وضوحًا كاملًا لن يأتي دون تجربة.
هل أختار الوظيفة ذات الراتب الأعلى أم الوظيفة التي أتعلم فيها أكثر؟
في أول سنتين من حياتك المهنية، الوظيفة التي تتعلم فيها أكثر هي الاستثمار الأفضل غالبًا، لأن المهارات التي تكتسبها مبكرًا هي التي ترفع دخلك لاحقًا، بشرط أن يغطي الراتب احتياجاتك الأساسية.
كم مرة يجب أن أراجع مساري المهني؟
راجعه كل ستة أشهر بثلاثة أسئلة بسيطة. ماذا تعلمت؟ هل ما زلت تتحمل العمل وتستمتع بجزء منه؟ هل تقترب من هدفك؟ وإذا تكررت الإجابات السلبية في مراجعتين متتاليتين، فهذا وقت مناسب للتعديل.
كلمة أخيرة
لن يرسم لك أحد مسارك المهني بالنيابة عنك، لا الأهل ولا الجامعة ولا أصحابك الذين سبقوك. لكنك لست مطالبًا بأن تعرف كل شيء الآن. كل ما عليك أن تبدأ بخطوة صغيرة محسوبة، وتتعلم منها، ثم تخطو الخطوة التالية. هكذا بدأت أنا من صيانة أجهزة الكمبيوتر في دمنهور، وهكذا بدأ كل من أعرفهم ممن وصلوا.
وإن كان عندك سؤال عن مسارك لم يجب عنه هذا الدليل، أرسله لي على LinkedIn، وسأحاول أن أجيب عنه في المقالات القادمة.
عن الكاتب
محمود سعيد مستشار تطوير أعمال وموارد بشرية، ومؤسس ReformHRM والرئيس التنفيذي لشركة Reform Group. بدأ حياته العملية فني صيانة كمبيوتر في دمنهور، ثم تنقل بين المحاسبة والإدارة والمبيعات قبل أن يستقر في الموارد البشرية، وعمل في منتجعات وفنادق كبرى بمرسى علم والساحل الشمالي وفي مجموعات مطاعم بالقاهرة. يعمل اليوم مع شركات في مصر والبحرين والسعودية، وأرشد أكثر من مئة باحث عن عمل في التخطيط المهني والسيرة الذاتية والمقابلات، وقدم أكثر من خمس عشرة ورشة وجلسة توعية للشباب في الإسكندرية والقاهرة وبورسعيد والبحر الأحمر. تابع أفكاره العملية على LinkedIn وقناة Reform Group على YouTube.
