بقلم محمود سعيد، مستشار تطوير الأعمال والموارد البشرية. وقت القراءة نحو 8 دقائق.
تعلمت التعامل مع الفشل بالطريقة الصعبة. أنهيت الخدمة العسكرية في يناير 2020 وعمري ثمانية وعشرون عامًا. كان أغلب أصحابي قد سبقوني بسنوات، بعضهم تزوج، وبعضهم ترقى مرتين في وظيفته. أما أنا فبدأت من أول درجة، موظفًا إداريًا في الموارد البشرية بمنتجع في مرسى علم. وكنت مقتنعًا أنني سأعوض الوقت الضائع بسرعة.
وبعد أشهر قليلة انتهت تلك التجربة، ووجدت نفسي في دمنهور من جديد أبحث عن بداية أخرى، وفي رأسي سؤال واحد لا يتوقف.
أنا عندي 28 سنة، وأصحابي بقالهم سنين في شغلهم، وأنا لسه بادئ ورجعت تاني لنقطة الصفر. هو أنا كده فاشل؟
لم أكن فاشلًا، لكنني احتجت وقتًا لأفهم ذلك. قبلت وظيفة مدير فرع لشركة اتصالات في دمنهور، وهي وظيفة بعيدة عن الموارد البشرية. وتعلمت فيها إدارة المستهدفات والمبيعات والفريق والعملاء الغاضبين. ثم عدت بعد عام إلى الموارد البشرية في الفنادق، وتدرجت فيها حتى صرت أبني إدارات كاملة من الصفر، ثم أسست شركتي الخاصة.
أحكي هذه القصة في بداية هذا الدليل لأن التعامل مع الفشل والرفض ليس موضوعًا نظريًا بالنسبة لي. وفي جلسات الإرشاد التي عملت فيها مع أكثر من مئة باحث عن عمل، رأيت الألم نفسه بأشكال مختلفة. وفي هذا الدليل أشاركك ما تعلمته عن كيفية النهوض بعد السقوط، وكيف تحول الرفض من حكم على قيمتك إلى معلومة تفيدك في الخطوة التالية.
الخلاصة في خمس نقاط
- الفشل حدث وليس هوية، والفرق بين جملة أنا فشلت وجملة أنا فاشل هو الفرق بين من ينهض ومن يبقى مكانه.
- اسمح لنفسك بالحزن لوقت محدد، ثم انتقل إلى التحليل الهادئ.
- افصل ما في يدك عما ليس في يدك، وركز طاقتك كلها على الجزء الأول.
- الرفض في البحث عن عمل رقم في معادلة لا حكم عليك، وحدد أين تنكسر المعادلة لتصلحها.
- إذا استمر الحزن أسابيع وأثر على نومك وحياتك، فطلب المساعدة المتخصصة قوة لا ضعف.
محتويات المقال
- الفرق بين الفشل والتجربة التي لم تنجح
- لماذا يؤلمنا الرفض إلى هذا الحد
- التعامل مع الفشل في خمس خطوات
- الرفض في البحث عن عمل، رقم وليس حكمًا
- كيف تحكي الفجوات في سيرتك الذاتية
- متى تحتاج إلى مساعدة متخصصة
الفرق بين الفشل والتجربة التي لم تنجح
أغلبنا تربى على أن الفشل شيء مخجل يجب إخفاؤه. ورقة امتحان بدرجة ضعيفة تُخبأ، ومقابلة عمل لم تنجح لا يُحكى عنها، ومشروع خسر يُنسى. وهذه التربية تجعلنا نخاف من التجربة أصلًا، لأن كل تجربة قد تنتهي بشيء نخجل منه.
لكن في عالم الأعمال الذي أعمل فيه اليوم، ننظر إلى الأمر بشكل مختلف. كل حملة إعلانية لم تحقق هدفها تعطينا معلومة عن الجمهور، وكل موظف لم ينجح في وظيفة يعلمنا شيئًا عن طريقة التوظيف. الفشل هنا ليس نهاية، بل بيانات. وأول درس في التعامل مع الفشل أن تغير السؤال، فلا تسأل لماذا حدث هذا لي، بل اسأل ماذا يخبرني هذا؟
لماذا يؤلمنا الرفض إلى هذا الحد
الرفض يؤلم لأننا نربطه بقيمتنا كأشخاص، لا بالموقف المحدد. وهناك ثلاثة أشياء تزيد هذا الألم في مجتمعنا تحديدًا.
المقارنة على السوشيال ميديا
تفتح فيسبوك بعد رفض جديد، فتجد زميل دراسة ينشر صورة أول يوم في وظيفته الجديدة، وآخر يحتفل بترقيته. ولا ترى ما مر به كل منهما قبل هذه الصورة. فتقارن أسوأ لحظاتك بأفضل لحظاتهم.
أسئلة العائلة
لسه ملقتش شغل؟ ده ابن عمك اتعين من أول شهر.
السؤال يأتي غالبًا من حب وقلق، لكنه يضيف إلى ألم الرفض شعورًا بأنك تخذل من حولك.
الصمت بعد التقديم
ربما يكون الصمت أصعب من الرفض نفسه. تقدم على عشرات الوظائف ولا يصلك رد واحد، فتبدأ في تخيل الأسوأ عن نفسك. والحقيقة أن الصمت في أغلب الأحيان لا علاقة له بك، بل بطريقة عمل الشركات وحجم الطلبات التي تصلها.
التعامل مع الفشل في خمس خطوات
الخطوة الأولى، احزن لوقت محدد
لا تتظاهر بأنك بخير، ولا تكبت مشاعرك. اسمح لنفسك بالحزن يومًا أو يومين، تحدث مع شخص تثق فيه، أو اكتب ما تشعر به. لكن ضع لهذا الحزن نهاية واضحة، ثم انتقل.
الخطوة الثانية، افصل الحدث عن الهوية
قل لنفسك أنا اترفضت في الوظيفة دي، لا أنا فاشل. الجملة الأولى تصف حدثًا يمكن تحليله وتغييره، والثانية تصدر حكمًا نهائيًا لا يترك لك أي مساحة للحركة.
الخطوة الثالثة، حلل بهدوء
بعد أن تهدأ، أمسك ورقة وقسمها إلى عمودين. في الأول اكتب العوامل التي كانت في يدك، مثل تحضيرك للمقابلة وجودة سيرتك الذاتية وطريقة كلامك. وفي الثاني اكتب العوامل التي لم تكن في يدك، مثل عدد المتقدمين ووجود مرشح داخلي وظروف الشركة. ثم ركز طاقتك كلها على العمود الأول.
| في يدك | ليس في يدك |
|---|---|
| جودة سيرتك الذاتية وملاءمتها للوظيفة | عدد المتقدمين للوظيفة |
| تحضيرك للمقابلة وأمثلتك العملية | وجود مرشح داخلي أو توصية مسبقة |
| طريقة متابعتك بعد المقابلة | تجميد التوظيف أو تغيير الميزانية |
| المهارات التي تطورها الآن | الحالة الاقتصادية العامة |
الخطوة الرابعة، اطلب ملاحظات
إذا وصلت إلى مقابلة ولم تُقبل، أرسل رسالة قصيرة ومهذبة تشكرهم فيها وتطلب ملاحظة واحدة تساعدك على التحسن. لن يرد الجميع، لكن من يرد سيعطيك معلومة قد تختصر عليك شهورًا.
شكرًا جدًا على وقت حضرتك في المقابلة. لو تسمح، إيه أهم حاجة ممكن أشتغل عليها عشان أكون مرشح أقوى المرة الجاية؟
الخطوة الخامسة، الخطوة الصغيرة التالية
لا تخطط لتغيير حياتك كلها بعد الرفض. حدد خطوة واحدة صغيرة تنفذها خلال 48 ساعة. تعديل السيرة الذاتية، أو التدرب على سؤال واحد في المقابلة، أو التقديم على ثلاث وظائف جديدة. فالحركة الصغيرة تكسر الإحساس بالعجز.
الرفض في البحث عن عمل، رقم وليس حكمًا
في جلسة إرشاد مع شابة من الإسكندرية اسمها سارة، كانت قد تقدمت على أكثر من ستين وظيفة في أربعة أشهر دون أن يتصل بها أحد. قالت لي وهي تحاول ألا تبكي.
أنا شكلي مش نافعة في أي حاجة. ستين شركة ومحدش رد ولا مرة.
طلبت منها أن ننظر إلى البحث عن عمل كمعادلة من أربع مراحل. تقديم، ثم رد، ثم مقابلة، ثم عرض. وحين تنكسر المعادلة في مرحلة معينة، فهذا يخبرك بالضبط أين المشكلة.
- تقدم كثيرًا ولا يأتي رد. المشكلة غالبًا في السيرة الذاتية، أو في أنك تتقدم لوظائف لا تناسب مؤهلاتك.
- تأتيك ردود ولا تصل إلى المقابلة. راجع طريقة ردك على الهاتف وسرعة استجابتك.
- تصل إلى المقابلات ولا تأتي عروض. المشكلة في التحضير أو في طريقة عرض خبراتك، وهذه مهارة يمكن التدرب عليها.
حين راجعنا سيرة سارة، وجدنا أنها ترسل الملف نفسه لكل الوظائف، بتصميم مليء بالجداول والأيقونات لا تقرؤه أنظمة الفرز الآلي التي تستخدمها شركات كثيرة. أعادت كتابة سيرتها بتنسيق بسيط، وعدلتها لكل وظيفة بحسب متطلباتها. وخلال أسابيع جاءتها أول مكالمات المقابلات.
ومن موقعي في الموارد البشرية، أؤكد لك أن كثيرًا من قرارات الرفض لا علاقة لها بالمرشح أصلًا. مرشح داخلي كان مختارًا من البداية، أو ميزانية جُمدت، أو مدير غير رأيه في مواصفات الوظيفة. أنت ترى النتيجة فقط، ولا ترى ما يحدث خلفها.
كيف تحكي الفجوات في سيرتك الذاتية
الفجوة الزمنية في السيرة الذاتية ليست عيبًا يجب إخفاؤه، بل فترة تحتاج إلى شرح قصير وصادق. الخدمة العسكرية، أو رعاية أحد أفراد الأسرة، أو أزمة عامة مثل الجائحة، أو فترة بحث عن عمل طالت أكثر من المتوقع.
القاعدة أن تذكر السبب في جملة واحدة دون اعتذار، ثم تنتقل مباشرة إلى ما تعلمته أو فعلته خلال الفترة أو بعدها. وأنا أحكي فجوة الخدمة العسكرية بالطريقة نفسها. حقيقة بسيطة، ثم ما بنيته بعدها.
متى تحتاج إلى مساعدة متخصصة
الحزن بعد الفشل طبيعي وصحي. لكن إذا استمر لأسابيع، وصاحبه اضطراب في النوم أو فقدان للرغبة في أشياء كنت تستمتع بها، أو شعور دائم بانعدام القيمة، فهذا وقت مناسب للحديث مع متخصص في الصحة النفسية. وطلب المساعدة في هذه الحالة ليس ضعفًا، بل قرار ناضج يحميك ويختصر عليك الطريق.
أسئلة شائعة عن التعامل مع الفشل
ما أفضل طريقة في التعامل مع الفشل في العمل؟
اسمح لنفسك بالحزن لوقت قصير ومحدد، ثم افصل الحدث عن هويتك، وحلل ما حدث بهدوء بالتفريق بين ما في يدك وما ليس في يدك، واطلب ملاحظات ممن حولك، ثم حدد خطوة صغيرة تنفذها خلال يومين.
كيف أتجاوز الرفض المتكرر في مقابلات العمل؟
انظر إلى البحث عن عمل كمراحل متتالية، وحدد المرحلة التي يتكرر فيها الرفض. فإذا كنت تصل إلى المقابلات ولا تُقبل، فركز على التحضير وتجهيز أمثلة حقيقية من خبراتك واطلب ملاحظات بعد كل مقابلة.
هل الفشل المتكرر يعني أنني في المجال الخطأ؟
ليس بالضرورة. الفشل المتكرر يعني أن هناك شيئًا يحتاج إلى تغيير، قد يكون الأسلوب أو المهارة أو نوع الوظائف التي تستهدفها. لكن إذا كنت تكره طبيعة العمل نفسها مع كل محاولة، فقد يكون الوقت مناسبًا للتفكير في تغيير المسار.
كيف أرد على سؤال الفجوة الزمنية في السيرة الذاتية؟
اذكر السبب الحقيقي في جملة واحدة دون اعتذار أو تفاصيل زائدة، ثم انتقل إلى ما تعلمته أو فعلته خلال تلك الفترة أو بعدها، وكيف يجعلك ذلك جاهزًا للوظيفة الحالية.
كيف أتعامل مع ضغط العائلة وأنا أبحث عن عمل؟
شارك عائلتك خطتك بوضوح، كم وظيفة تتقدم لها أسبوعيًا وما المهارات التي تطورها. فالقلق يقل حين يرون أنك تتحرك بخطة، واطلب منهم الدعم بدل المقارنة.
كلمة أخيرة
لو قال لي أحد في 2020، وأنا أبدأ من جديد في دمنهور وأشعر بأن الجميع سبقني، إنني بعد سنوات سأبني إدارات موارد بشرية كاملة وأؤسس شركة وأقدم ورشًا للشباب في محافظات مختلفة، لما صدقته. لكن هذا ما حدث، لا لأنني لم أفشل، بل لأنني تعلمت التعامل مع الفشل بدل أن أتوقف عنده.
ما تمر به الآن ليس نهاية قصتك، بل فصل منها. وإن كانت الصعوبة التي تواجهها هي ضغط العمل اليومي لا الرفض، فستجد ما يفيدك في دليل التعامل مع ضغط العمل. وإن كنت تفكر في بداية جديدة في مجال مختلف، فاقرأ دليل تغيير المسار المهني.
عن الكاتب
محمود سعيد مستشار تطوير أعمال وموارد بشرية، ومؤسس ReformHRM والرئيس التنفيذي لشركة Reform Group. بدأ حياته العملية فني صيانة كمبيوتر في دمنهور، ثم تنقل بين المحاسبة والإدارة والمبيعات قبل أن يستقر في الموارد البشرية، وعمل في منتجعات وفنادق كبرى بمرسى علم والساحل الشمالي وفي مجموعات مطاعم بالقاهرة. يعمل اليوم مع شركات في مصر والبحرين والسعودية، وأرشد أكثر من مئة باحث عن عمل في التخطيط المهني والسيرة الذاتية والمقابلات، وقدم أكثر من خمس عشرة ورشة وجلسة توعية للشباب في الإسكندرية والقاهرة وبورسعيد والبحر الأحمر. تابع أفكاره العملية على LinkedIn وقناة Reform Group على YouTube.
