تطوير الذات من غير كلام تحفيزي، خطة 90 يوم تقيس بيها تقدمك

غلاف دليل تطوير الذات مع محمود سعيد مستشار تطوير الأعمال والموارد البشرية

بقلم محمود سعيد، مستشار تطوير الأعمال والموارد البشرية. وقت القراءة نحو 8 دقائق.

بعد إحدى جلسات التوعية في القاهرة، جاءني شاب اسمه كريم ومعه ملف بلاستيك أزرق. فتحه أمامي بفخر ممزوج بالإحباط، وبدأ يعد الشهادات واحدة بعد الأخرى.

عندي 23 شهادة أونلاين يا أستاذ محمود. تسويق وإدارة مشروعات وإكسل وتنمية بشرية. وبقدم على شغل بقالي سنة ومحدش بيرد عليا. أنا ناقصني إيه تاني؟

سألته سؤالًا واحدًا. من الثلاث وعشرين شهادة، ما الشيء الذي طبقته فعلًا على مشروع حقيقي؟ فسكت طويلًا.

ولم أسأله هذا السؤال من موقع من لم يقع في الفخ نفسه. أنا أيضًا جمعت عشرات الشهادات من LinkedIn Learning وغيرها، في إدارة التغيير والقيادة والموارد البشرية وإدارة المشروعات. لكن الفرق الحقيقي في مساري لم تصنعه الشهادات، بل صنعته لحظة قررت فيها أن أطبق. حين كنت أعمل في الموارد البشرية بمنتجع في مرسى علم، توليت إلى جانب عملي إدارة الإعلانات الرقمية للفندق، وتعلمت من الأخطاء والأرقام الحقيقية ما لم يعلمني إياه أي كورس.

هذا هو جوهر تطوير الذات كما أفهمه. ليس استهلاك المزيد من المحتوى، بل بناء قدرة جديدة تظهر في نتيجة يمكن قياسها. وفي هذا الدليل أقدم لك خطة عملية مدتها 90 يومًا، بعيدًا عن الكلام التحفيزي الذي يرفع حماسك يومًا ثم يتركك في المكان نفسه.

الخلاصة في خمس نقاط

  • تطوير الذات الحقيقي يقاس بما تستطيع فعله الآن ولم تكن تستطيعه قبل ثلاثة أشهر، لا بعدد الكورسات التي أنهيتها.
  • اختر مجالًا واحدًا ومهارة واحدة ونتيجة واحدة لكل 90 يومًا، فمن يطارد عشرة أهداف لا يحقق أيًا منها.
  • قسم وقت التعلم بين قليل من الدراسة وكثير من التطبيق وجزء من تعليم غيرك.
  • العادة الصغيرة اليومية أقوى من الحماس الكبير المتقطع، وربع ساعة كل يوم تتفوق على خمس ساعات يوم الجمعة.
  • المراجعة الأسبوعية هي ما يحول الخطة من ورقة إلى نتيجة.

محتويات المقال

  1. ما هو تطوير الذات فعلًا
  2. لماذا تفشل أغلب محاولات تطوير الذات
  3. خطة تطوير الذات في 90 يومًا
  4. تطوير الذات بأقل تكلفة
  5. كيف تتعامل مع الانقطاع
  6. ماذا حدث مع كريم

ما هو تطوير الذات فعلًا

تطوير الذات هو عملية واعية ومستمرة لبناء مهاراتك ومعارفك وعاداتك بما يقربك من أهدافك المهنية والشخصية. والكلمة المهمة هنا واعية. أي أنك تعرف ماذا تطور ولماذا وكيف ستعرف أنك تقدمت.

ولكي يكون الكلام عمليًا، أفرق دائمًا بين نوعين من النشاط. نشاط استهلاكي، مثل مشاهدة الفيديوهات وقراءة المنشورات التحفيزية وحضور الكورسات دون تطبيق. ونشاط إنتاجي، مثل تنفيذ مشروع، أو حل مشكلة حقيقية في عملك، أو كتابة ما تعلمته، أو تعليمه لغيرك. والأول مفيد كبداية فقط، أما التطوير الحقيقي فيحدث في الثاني.

لماذا تفشل أغلب محاولات تطوير الذات

من واقع ما أراه في الورش وجلسات الإرشاد، تفشل أغلب المحاولات لأسباب متكررة.

  • الاستهلاك بدل الإنتاج. تشعر بالإنجاز لأنك أنهيت كورسًا، لكن لا شيء تغير في قدرتك الفعلية.
  • غياب الهدف الواضح. عايز أطور نفسي ليست خطة. ماذا تطور تحديدًا، ولماذا الآن؟
  • الاعتماد على الحماس. الحماس يأتي بعد فيديو مؤثر ويختفي بعد ثلاثة أيام. والخطة التي تعتمد عليه تموت معه.
  • محاولة تغيير كل شيء مرة واحدة. رياضة ولغة وقراءة وكورس برمجة ونوم مبكر في الأسبوع نفسه، ثم الانهيار الكامل في الأسبوع الثاني.
  • المقارنة بالمؤثرين. ترى روتين شخص يستيقظ في الرابعة فجرًا ويقرأ كتابًا كل يومين، فتشعر بأنك متأخر جدًا وتتوقف عن المحاولة.

خطة تطوير الذات في 90 يومًا

اخترت 90 يومًا لأنها مدة كافية لترى نتيجة حقيقية، وقصيرة بما يكفي لتحافظ على تركيزك. وهذه خطواتها بالترتيب.

الأسبوع الأول، التشخيص

ارسم لنفسك ست مساحات. العمل، والمهارات، والصحة، والمال، والعلاقات، والراحة النفسية. وقيّم كل واحدة من عشرة بصراحة تامة. ثم اختر مساحة واحدة فقط ستعمل عليها في هذه الدورة، وهي غالبًا المساحة التي لو تحسنت ستحسن غيرها تلقائيًا.

أنا قيمت الشغل 4 والمهارات 3، وكل حاجة تانية متوسطة. يبقى أبدأ بالمهارات عشان هي اللي هتحرك الشغل.

اختر مهارة واحدة ونتيجة واحدة

بعد اختيار المساحة، حدد مهارة واحدة ونتيجة يمكن قياسها في نهاية 90 يومًا. والنتيجة الجيدة تكون محددة ومرتبطة بعملك أو هدفك الحقيقي.

  • نتيجة ضعيفة، أتعلم Excel.
  • نتيجة قوية، أبني ثلاثة تقارير شهرية حقيقية في عملي باستخدام الجداول المحورية، وأعرضها على مديري.
  • نتيجة ضعيفة، أحسن الإنجليزي.
  • نتيجة قوية، أجري مقابلة عمل تجريبية كاملة بالإنجليزية مدتها عشرون دقيقة مع شخص يجيدها.

قاعدة تعلم وطبق وعلّم

قسم وقتك في الدورة إلى ثلاثة أجزاء. جزء صغير للتعلم من كورس أو كتاب أو فيديو، وجزء كبير للتطبيق على مشروع حقيقي، وجزء لتعليم ما تعلمته لغيرك أو كتابته في منشور.

والجزء الأخير هو الأكثر إهمالًا والأكثر تأثيرًا. حين بدأت قناتي على YouTube في ديسمبر 2022 لأشرح موضوعات الموارد البشرية والتطوير المهني، كنت أظن أنني أعلم الناس. لكنني اكتشفت أنني أنا من يتعلم أكثر، لأن الشرح يجبرك على فهم الموضوع بعمق لا يصل إليه من يكتفي بالقراءة.

العادة اليومية الصغيرة

حدد وقتًا ثابتًا كل يوم، ولو كان ربع ساعة فقط. قبل العمل، أو في المواصلات، أو بعد صلاة العشاء. المهم أن يكون ثابتًا وصغيرًا بما يكفي لئلا تتهرب منه.

ربع ساعة كل يوم أحسن من خمس ساعات يوم الجمعة. الخمس ساعات دي مش هتيجي أصلًا.

وحين كنت أعمل بنظام الورديات في فنادق مرسى علم، وأدرس في الوقت نفسه، لم يكن لدي وقت طويل متصل. لكن الوقت القصير الثابت هو ما سمح لي بإنهاء دورات وبرامج كثيرة، وبالاستمرار في دراسة ماجستير إدارة الأعمال اليوم إلى جانب العمل.

المراجعة الأسبوعية

خصص عشرين دقيقة في نهاية كل أسبوع، وأجب عن ثلاثة أسئلة مكتوبة.

  1. ماذا أنجزت هذا الأسبوع مما خططت له؟
  2. ما الذي عطلني، وهل هو عائق حقيقي أم عذر؟
  3. ما الخطوة الأهم في الأسبوع القادم؟

هذه المراجعة البسيطة هي ما يفرق بين خطة تبقى في الدفتر وخطة تتحول إلى نتيجة.

القياس في نهاية الدورة

في اليوم التسعين، قارن بين ما كنت تستطيعه في البداية وما تستطيعه الآن، بناءً على النتيجة التي حددتها. ثم قرر هل تكمل في المهارة نفسها لمستوى أعلى، أم تنتقل إلى مهارة جديدة في دورة جديدة.

المرحلةالمدةما تفعله
التشخيص والاختيارالأسبوع الأولتقييم المساحات الست واختيار مهارة واحدة ونتيجة قابلة للقياس
التأسيسالأسابيع 2 إلى 4تعلم الأساسيات وبدء العادة اليومية وأول تطبيق صغير
التطبيقالأسابيع 5 إلى 10مشروع حقيقي وطلب ملاحظات وتحسين مستمر
التعليم والتثبيتالأسابيع 11 و12كتابة ما تعلمته أو شرحه لغيرك واستكمال النتيجة
القياسالأسبوع 13مقارنة البداية بالنهاية واختيار الدورة القادمة

تطوير الذات بأقل تكلفة

لا تحتاج إلى ميزانية كبيرة لتطور نفسك. فأغلب ما تحتاجه متاح مجانًا أو بتكلفة بسيطة.

  • المحتوى التعليمي المجاني. على YouTube والمنصات التعليمية محتوى ممتاز في أغلب المجالات، والمهم أن تختار مصدرًا واحدًا وتكمله.
  • العمل التطوعي. أفضل طريقة مجانية للتطبيق العملي واكتساب الخبرة والعلاقات معًا.
  • المرشد. شخص سبقك بخمس سنوات في مجالك يمكن أن يختصر عليك سنوات من التجربة. اطلب منه نصف ساعة في الشهر فقط.
  • جلسات التوعية والورش المجانية. كثير من المبادرات تقدم ورشًا مجانية في المهارات والتطوير المهني، وقد قدمت عددًا منها بنفسي في عدة محافظات.
  • عملك الحالي. اطلب من مديرك مهمة جديدة خارج روتينك، فهذا تدريب مدفوع الأجر.

كيف تتعامل مع الانقطاع

ستنقطع عن خطتك يومًا أو أكثر، وهذا مؤكد وطبيعي. المشكلة ليست في الانقطاع، بل في ما يحدث بعده. وأنا أطبق قاعدة بسيطة.

متفوتش يومين ورا بعض.

إذا فاتك يوم، فلا تحاسب نفسك ولا تحاول تعويضه بمضاعفة الوقت، فقط عد في اليوم التالي. أما إذا فاتك يومان متتاليان، فهذه إشارة إلى أن الخطة تحتاج إلى تعديل، ربما لأن الوقت غير مناسب أو الهدف أكبر من طاقتك الحالية. وإذا تكرر التعثر وصاحبه إحباط شديد، فقد تفيدك قراءة دليل التعامل مع الفشل والرفض المهني.

ماذا حدث مع كريم

اتفقت مع كريم على تجربة بسيطة. لا شهادات جديدة لمدة 90 يومًا. اختار من الشهادات مجالًا واحدًا هو التسويق الرقمي، وتطوع لإدارة صفحة محل ملابس يملكه صديق والده في حيه. وتعلم فقط ما يحتاجه لتشغيل الصفحة، وكتب على LinkedIn كل أسبوع ما جربه وما تعلمه من الأرقام.

بعد ثلاثة أشهر كان لديه شيء لم تمنحه إياه الشهادات الثلاث والعشرون. نتيجة حقيقية يحكيها في المقابلة، وأرقام يعرضها، ومنشورات تثبت أنه يفهم ما يقوله. وحصل على أول وظيفة في التسويق بعد فترة قصيرة.

أسئلة شائعة عن تطوير الذات

من أين أبدأ تطوير ذاتي؟

ابدأ بالتشخيص. قيّم مساحات حياتك الأساسية مثل العمل والمهارات والصحة والمال والعلاقات، واختر مساحة واحدة فقط، ثم حدد مهارة واحدة ونتيجة قابلة للقياس خلال 90 يومًا.

هل الكورسات الأونلاين كافية لتطوير الذات؟

الكورسات بداية جيدة لاكتساب المعرفة، لكنها لا تكفي وحدها. التطوير الحقيقي يحدث حين تطبق ما تعلمته على مشروع أو مشكلة حقيقية، ثم تطلب ملاحظات على أدائك وتعلم غيرك ما تعلمته.

كم يستغرق ظهور نتائج تطوير الذات؟

تظهر النتائج الأولى الملموسة عادة خلال ستة إلى اثني عشر أسبوعًا إذا التزمت بعادة يومية ثابتة وهدف واضح. أما التغيير العميق في المسار المهني فيحتاج إلى عدة دورات متتالية.

كيف أحافظ على الاستمرارية في تطوير الذات؟

اجعل العادة صغيرة بما يكفي لتستمر حتى في أسوأ أيامك، واربطها بوقت ثابت، وراجع تقدمك أسبوعيًا، ولا تسمح لنفسك بتفويت يومين متتاليين.

هل أحتاج إلى مدرب أو مرشد لتطوير ذاتي؟

ليس شرطًا، لكن المرشد الذي سبقك في مجالك يختصر عليك وقتًا طويلًا ويكشف لك أخطاء لا تراها بنفسك. ويمكنك أن تبدأ وحدك بهذه الخطة، ثم تبحث عن مرشد حين تحتاج إلى رؤية من الخارج.

كلمة أخيرة

لا أحد يحتاج إلى أن يصبح نسخة أخرى من شخص آخر. تطوير الذات أن تصبح بعد 90 يومًا نسخة أقدر من نفسك، في شيء واحد محدد تستطيع أن تثبته. ثم تكرر ذلك دورة بعد دورة، حتى تنظر خلفك بعد سنوات فتجد مسافة لم تكن تتخيلها.

اختر مهارتك الأولى اليوم، واكتب نتيجتها في ورقة، وضع الورقة أمامك. وحين تبدأ في مشاركة رحلتك، سيفيدك دليل بناء العلامة الشخصية على LinkedIn.


عن الكاتب

محمود سعيد مستشار تطوير أعمال وموارد بشرية، ومؤسس ReformHRM والرئيس التنفيذي لشركة Reform Group. بدأ حياته العملية فني صيانة كمبيوتر في دمنهور، ثم تنقل بين المحاسبة والإدارة والمبيعات قبل أن يستقر في الموارد البشرية، وعمل في منتجعات وفنادق كبرى بمرسى علم والساحل الشمالي وفي مجموعات مطاعم بالقاهرة. يعمل اليوم مع شركات في مصر والبحرين والسعودية، وأرشد أكثر من مئة باحث عن عمل في التخطيط المهني والسيرة الذاتية والمقابلات، وقدم أكثر من خمس عشرة ورشة وجلسة توعية للشباب في الإسكندرية والقاهرة وبورسعيد والبحر الأحمر. تابع أفكاره العملية على LinkedIn وقناة Reform Group على YouTube.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top